الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

11

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

القرآن في انتهاز الفرص لتبليغ العقائد . و بَلى حرف جواب مختص بإبطال النفي فهو حرف إيجاب لما نفاه كلام قبله وهو نظير ( بل ) أو مركب من ( بل ) وألف زائدة ، أو هي ألف تأنيث لمجرد تأنيث الكلمة مثل زيادة تاء التأنيث في ثمّة وربّة ، لكن بَلى حرف يختص بإيجاب النفي فلا يكون عاطفا و ( بل ) يجاب به الإثبات والنفي وهو عاطف ، وتقدم الكلام على بَلى عند قوله تعالى : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً في سورة البقرة [ 81 ] . وأكد ما اقتضاه بَلى من إثبات إتيان الساعة بالقسم على ذلك للدلالة على ثقة المتكلم بأنها آتية وليس ذلك لإقناع المخاطبين وهو تأكيد يروع السامعين المكذبين . وعدّي إتيانها إلى ضمير المخاطبين من بين جميع الناس دون : لتأتينّا ، ودون أن يجرد عن التعدية لمفعول ، لأن المراد إتيان الساعة الذي يكون عنده عقابهم كما يقال : أتاكم العدوّ ، وأتاك أتاك اللّاحقون ، فتعلقه بضمير المخاطبين قرينة على أنه كناية عن إتيان مكروه فيه عذاب . وفعل ( أتى ) يرد كثيرا في معنى حلول المكروه مثل أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] و فَأَتاهُمُ الْعَذابُ [ الزمر : 25 ] و يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ [ الأنعام : 158 ] ، وقول النابغة : فلتأتينك قصائد وليدفعن * جيشا إليك قوادم الأكوار وقوله : أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ومن هذا ينتقلون إلى تعدية فعل ( أتى ) بحرف ( على ) فيقولون : أتى على كذا ، إذا استأصله . ويكثر في غير ذلك استعمال فعل ( جاء ) ، وقد يكون للمكروه نحو وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ [ يونس : 22 ] . عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . عالِمِ الْغَيْبِ خبر ثان عن ضمير الجلالة في قوله : وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [ سبأ : 1 ] في قراءة من قرأه بالرفع ، وصفة ل رَبِّي المقسم به في قراءة من قرأه بالجر وقد اقتضت ذكره مناسبة تحقيق إتيان الساعة فإن وقتها وأحوالها من الأمور المغيبة في علم الناس .